عبد الشافى محمد عبد اللطيف

292

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ظهور التبشير الفردي الإسلامي - سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه - مرتبطا بالتصوف الإسلامي فيحكى دائما في مناقب الصوفية أنهم استطاعوا إدخال كثيرين من الكفار في الإسلام وكان هؤلاء الصوفية يذهبون إلى الصحارى لإدخال الأتراك في الإسلام ، وقد ظلوا حتى وقت قريب أكثر توفيقا من العلماء الذين درسوا في المدارس » « 1 » ويرى بارتولد أن توفيق الدعاة المسلمين ونجاحهم في نشر الإسلام بين الأتراك كان يعتمد على حقيقة راسخة وهي تفوق الإسلام على الديانات الآخرى من ناحية ، فهو يقول : « ومن عوامل انتشار الإسلام بين الأتراك خاصة امتاز بها الإسلام على سائر الأديان العالمية ، فعلى الرغم من أن أتباع البوذية وأتباع المسيحية أكثر عددا من المسلمين فإن الإسلام دين عالمي بمعنى الكلمة ، أي ليس مقصورا على جنس أو مدينة ، ولئن كانت بعض الديانات قد بذت الإسلام في هذه الناحية فإن توفيقها كان مؤقتا ، ولم تستطع الحصول على نتائج دائمة كالإسلام » « 2 » وكان توفيق الدعاة ونجاحهم في الدعوة إلى الإسلام يعتمد كذلك على تفوق العالم الإسلامي ماديّا ومعنويّا على كل البلاد المتمدينة « 3 » ، من ناحية ثانية ، إن تفوق العالم الإسلامي في كل مجالات الحياة جذب إليه أناسا آخرين ، خارج بلاد ما وراء النهر ، وأظن أن بلغار الفولجا يصلحون مثالا على ذلك ، فقد اعتنقوا الإسلام طواعية ، دون أن يصل إليهم سلطان المسلمين السياسي ، ففي سنة ( 921 م ) ، وفد على الخليفة المقتدر باللّه العباسي في بغداد سفراء من البلغار ، الذين اهتدوا إلى الإسلام ، وطلبوا منه أن يرسل إليهم بعض العسكريين المتخصصين في بناء القلاع والاستحكامات ، وكذلك بعض العلماء لتدريس الإسلام وكان بين البعثة التي أرسلها الخليفة ابن فضلان ، الذي وصف الرحلة من بغداد إلى بلاد البلغار ، ثم العودة إلى بغداد - فيما عرف برحلة ابن فضلان - مرورا ببلاد الخزر . . . . . . والظاهر أن ابن فضلان كان هو المكلف بتعليم البلغار تعاليم الإسلام « 4 » . ويستنتج الأستاذ بارتولد من رحلة ابن فضلان هذه أن اتصال بلغار الفولجا بالعالم الإسلامي قد تم عن طريق الولايات الإسلامية التابعة للخوارزميين والسامانيين ؛ لأن

--> ( 1 ) تاريخ الترك في آسيا الوسطى ( ص 69 ) . ( 2 ) المرجع السابق ( ص 70 ) . ( 3 ) المرجع السابق ( ص 70 ) . ( 4 ) المرجع السابق ( ص 65 ) .